"المذياع العاق" للروائي جلال حيدر.. العْلمي الذي يبحث عن وجه وأصابع

"المذياع العاق" للروائي جلال حيدر.. العْلمي الذي يبحث عن وجه وأصابع

*- تعرية للأرواح المثقوبة وتصوير للغصّة

جرأة وشجاعة أن يقدّم جلال حيدر من خلال "المذياع العاق"، المجتمع عاريا، بلا مساحيق، واقعا غير مغلف بغطاء الدين والأخلاق، ودون الالتفات لما يمكن أن تُسفر عنه ردود الأفعال حول الرواية التي ستكون حاضرة بمعرض سيلا نهاية الشهر الجاري، واقع حقيقي، غير مزيف، ولا يجد القارئ أية محاولة تبرير من الكاتب ولا رغبة في تجميل البيئة الأمازيغية، الشاوية تحديدا، التي اختارها لسرد قصة العلمي، حيث دخل الكاتب إلى بشرته العميقة واصفا كل تفصيل عن الأذى الذي لحق به ما يجعله في بحث دائم عن وجه وأصابع.
سنتخلّى عن التعبير الدارج "المولود الأول"، أو "الباكورة"، فنحن من يُولَد بعد كل عطاء، و"المذياع العاق" هو ميلاد للروائي جلال حيدر، الذي حاول من خلال سرده رسم الحقيقة، باعتبار أن الأدب هو الواقع مُصوَرا، وهنا، جاء في شكل قصة العلمي الذي عايش فترة الإرهاب في منطقة ريفية قاسية.
تتبادر، وأنت تقرأ عن العلمي، أغنية "أسمي د لولغ داسا مشوم" (يوم مولدي يوم مشؤوم) للمطرب المغتال معطوب لوناس، تكتشف خزّان ذاكرته المليئة بالشوائب، ينفجر الخزّان من حين لآخر بعد سماع صوت معين، أو رائحة ما، هذا الخزّان كان يحمله فوق كتفيه طيلة الوقت وفِي أحيان كثيرة كان يطبق على روحه من كثرة الصور المشوشة في ذهنه، كلما تذكر شيئا.
الرواية تُشبه الغواصة التي تجوب أعماق البحار لاكتشاف مخلفات السفن على مر السنوات والقرون أيضا، غاص بها جلال حيدر في الحياة البائسة للإنسان المهمَش والمليء بالعذابات وسوء الحظ، غاص في مصائر الناس وفي الأرواح المثقوبة، وأحلام النساء وغبنهن، تطرق للحب، للغيرة، للخجل، والجنس، للزواج وتقاطع المصالح في مجتمع مليء بالتناقضات والنفاق. صوّر الغصة في مشاهد، ووثّق لفترة العشرية السوداء التي لم تندمل جراحها وتعيش تحت غطاء التجاهل، لكنها لا تغادر اللاشعور، فالألم يجب أن يُذكَر، أن يُعبَر عنه، أن يُعاش عن آخره.
"المذياع العاق"، قصة العلمي أو العلمي هو نفسه "المذياع العاق"، يعيش حياة صعبة، منذ ولادته حيث توفيت والدته ويعيش مع والده وجديه لأبيه، لم يحاول العلمي الاحتفاظ بشيء، لم يحاول الانضمام إلى صف معين، بل هو في محاولة دائمة للتأقلم مع حياته من ناحية الفقر ومن ناحية الصدمات التي كان يتلقاها اتباعا، وإن اعتبرنا أن وفاة والدته لم تكن صدمة بحيث أنه ومنذ بدأ يعي الأمور لم تكن موجودة بالتالي هي الفقد الأول والفقد الأساسي والجذع الذي بقي تائها عنه ولم يتمكن من تحقيق توازنه لاحقا، بالإضافة إلى الخيبات التي كانت تنزل عليه كالثلج كزواج والده بعد كل تلك السنوات بالعالية الماكرة وبتعبير قاس يكتب "أبّا بوبكر الذي تبوّل على ذكرى أمي الباهية"، ثم المخدرات ومحاولة اغتصابه من قبل حارس المقبرة في إحدى زياراته لقبر والدته، ثم ارتياده للبار والنوم مع الفتيات العاملات هناك، المخدرات، ثم صدمتان في ليلة واحدة، سر أخبره به والده عن سعدية التي أصبح مهووسا بها وقضاء والده وجده على يد الإرهاب أمام عينيه، محاولته أن يكون تاجرا متجولا، الناس المؤقتون في حياته وخذلانهم له باستمرار، فعمله بالغابة، ومحاولة استمالته للالتحاق بالإرهاب، كل هذه الأمور جعلته يفقد بوصلته، وجعلت تفكيره منصبا حول مدى تمكّنه من أن يفتح عينيه كل صباح.
ربما الرواية عبارة عن سيرة ذاتية، وهذا لا يعني ارتباطها بحياة الكاتب، فالسيرة الذاتية تكون لأشخاص سمعنا عنهم أو آخرين نعرفهم، حتى أنها يمكن أن تكون عن شخص خيالي يخترعه الكاتب لكن الأحداث تبقى مرتبطة بشيء من الحقيقة وبكثير منها.
هي ليست ذاكرة خاصة بالعلمي، بل هي ذاكرة مجتمع بأكمله، ويمكن إسقاطها على مجتمعات أخرى عانت من الفقر والجوع والحروب، هو ليس العلمي وحده، هو كل جزائري عايش تلك الفترة الحرجة. وأنت تقرأ، ستعيش العوالم ذاتها، سيصلك الكثير من الألم والوجع، والفقر والجوع، الجوع الذي ستحسّه كأنك لم تأكل لأربعة أيام مثل العلمي، وتلتهم معه صحن الفاصولياء الذي تجلبه سعدية. الأحداث تجعلك تترقب العلمي، تتمنى أن تلتقيه في شارع ما، في بار ما، في زقاق ما، تتخيل أنك هو، تتخيل ملابسه، تحاول أن تكون قلبه الذي يتألم ويقاوم ويأمل في غد جديد.
كثير من الجرأة في الرواية، تُذكّرك بمحمد شكري في "الخبز الحافي"، هي رواية من الحقيقة، رواية مُربكة عن الأرض والمصير، بها ألفاظ يومية جاءت ملائمة لحجم الغضب الذي يمكن أن يُحس به العلمي، الذي كان يبدو لامباليا في أحيان كثيرة، ورغم ظروفه الصعبة، كان باستطاعته استرجاع ذكريات جميلة مع جدته ومع من اعتبرهم الأقرب إلى قلبه، وفِي مقاطع يظهر قلبه الطيب الخالي من الحقد رغم قسوة التربة التي يعيش فيها، لكنه ما يلبث أن يتذكر أن حياته بلا معنى وإحساسه الدائم في أنه غير مرغوب به، ربما سعدية الوحيدة التي أحس معها بأنه كذلك، فتشبث بها.
تناول الكاتب البيئة بشكل دقيق، فرحلة العلمي مع جديه ووالده من بارّيم إلى ثالة مثلا، مليئة بالمحطات التي ذكرها على غرار تيغزّة، بالإضافة إلى ذكره الجبال والأمكنة والوديان والواحات، كـ"الولجة" حيث تدور أحداث الرواية، ويمكن للقارئ التنبؤ بقسوتها والشعور بالبرد مع الشخوص، بالإضافة إلى تعريفه بما يمكن أن تزخر به المنطقة من أشجار مختلفة كأشجار العرعار، الصنوبر، الزيتون، الدردار والبلوط، ونباتات الشيح والإكليل، وبساتين التفاح والتين، ولم ينسى ذكر بعض الأكلات الشاوية، كالرفيس والزيراوي، ووصف للرقصة الشاوية من خلال فرقة زريبة، وكذا الإيمان بالتراث المحلي من قصص وخرافات كقصة ميرا التي كانت جدته تدفئ مسامعه بها، ووصف للملابس الأمازيغية بألوانها وزهورها ورموزها، والحلي الفضية التي لا تفارقها عندما وصف لباس جدته، دون إهمال دور المرأة في المجتمع الأمازيغي حيث أبرز عملها في الأرض وفِي المنزل، وكذا استعمال اللغة الشاوية (الأمازيغية) في الحوار، كتنبيه إلى أن المنطقة تتشبث بلغتها الأم كما تحافظ على كل مقوماتها المجتمعية. وأيضا ذكر الكاتب تفاصيل تلك الفترة حتى فيما يتعلق بالألبسة الدارجة وقتها كلباس فتيات البار والغطاء الذي كان يتدفأ به الدراجي زميله بالمدرسة.
لم تكن الرواية كثيرة الحوار، اعتمد الكاتب على كثير من الوصف والسرد، ربما أن العلمي، لم يكن شخصا يسأل بإلحاح، أو أنه فقد موهبة السؤال منذ تزوج والده، وأحسّ أن جدته أغلقت يديها عنه، وأشاحت بحضنها عنه.
لم يغص الكاتب في الحديث كثيرا عن الأعمال الإرهابية التي كانت بشكل مستمر، كانت سببا رئيسا في الرواية، نعم، لكنه لم يسقط في فخ الإسهاب، ولم يكن يذكرها في كل صفحة أو صفحتين، بل فضّل التدقيق في تفاصيل حياة العلمي نفسيا وجسديا.
رواية للجميع، لمن عاش العشرية السوداء ولمن لم يعشها، كُلِّ منا هو "المذياع العاق"، كلّنا نُشبه العلمي في ضياعه وشتاته، في تيهه وبحثه عن خلاص أبدي.
زينـة بن سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 3 تشرين الأول (أكتوبر) 2017

النسخة المصورة

هذه هي فرنسا

رغم كل ما يقال في الجلسات والتصريحات الرسمية، تظل الجزائر بالنسبة لفرنسا مجرد منطقة نفوذ حيوي خالص لها 

المدير العام لشركة “بومار كومباني” علي بومدين يكشف 

المدير العام لشركة “بومار كومباني” علي بومدين يكشف نسعى لانتاج 1.5 مليون جهاز تلفزيون و3 مليون هاتف ذكي في 

بريق برج الكيفان يتلاشى بسبب غياب المشاريع

لا يزال سكان بلدية برج الكيفان ينتظرون نصيبهم من التنمية بالعديد من الأحياء منذ سنوات، خاصة بالنسبة لبعض 

إطارات الشركات العمومية تخاف "الأيادي النظيفة"

لا زالت قضايا الفساد وتبديد المال العام تجر الإطارات الجزائرية والمسيرين للسجون، ومازالت المحاكم الجنائية 

كتاب الأسبوع

إقرأ وحمل مجانا

الكاريكاتير

Monaffairedz

ألبوم الصور

إستطلاع

مواقيت الصلاة

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حالة الطقس