”مدائن شعيب” تروى قصة “مدين”

”مدائن شعيب” تروى قصة “مدين”

“مدائن شعيب “ أو “مغاير شعيب “ كما يطلق عليها “مدين “ تلك المنطقة التى ورد ذكرها فى القرآن الكريم ، التي عاش فيها قوم شعيب، والّذين أرسل الله تعالى إليهم نبيّه شعيباً ، تقع مدين في محافظة البدع ، إحدى محافظات منطقة تبوك ، بالمملكة العربية السعودية .
ومدين هي من الأسماء العربية التي سمّيت واحدة من القبائل العربية القديمة بها ، ومن الصفات التي اشتهرت بها هذه القبيلة: كانوا يطففون الموازين، ومن هنا فقد بعث الله فيهم هذا النبيّ الكريم لإخراجهم من ظلمات النور إلى الحق ، إلّا أنّهم أعرضوا واستكبروا فأخذهم الله تعالى بذنوبهم، ونجّى شعيباً ومن آمن معه من المؤمنين.
وأطلق عليها الرحالة البريطانى ريتشارد بيرتون “مدينة اﻷموات “ و«مدينة اﻷحياء “ معا ، حيث صنعوا من الجبال منازلهم وقبورهم جنبا إلى جنب .
وقد أطلق عليها “ مغير شعيب “ ﻷن مدين التى عاش فيها قوم شعيب كانت تقع فى البدع ، والبدع هي مركز مدين القديمة وقلبها النابض بالحياة والحركة التجارية، وقد أسميت بالبدع إبان القرن العاشر الهجري، وذلك لبديع جمال الموقع وكثرة الأشجار والخضرة فيه على مدار العام ، وعثر مؤخرا الباحثين الباحثين على قطع خشبية لأشجار معمرة تشير بوضوح إلى أن البدع كانت مدينة غابات كثيفة.
كانت مدين مستوطنة زراعية من عام 100 ق. م حتى عام 550 م ، حين أجبرت عشرون سنة من الجفاف سكانها من الأنباط على الانتقال شمالا إلى الهلال الخصيب ، حيث ذكرها “بطليموس” باسم “عينونة القبور” .
وفيما تشكل الجبال المنحوتة، مغاير عجيبة تشبه إلى حد كبير واجهات قصور الأنباط في الحجر “مدائن صالح”، إلا أن مغاير شعيب لها خصوصيتها .
وتعتبر مدين من أهم المعالم الأثرية وتضم 16مقبرة، وهي واحة قديمة بها قبور منحوتة في الصخور، ترجع إلـى العصر النبطي، تضم كهوف وأضرحة نبطية محفورة بالصخر ، وأسلوب الحفر يدل على مظاهر القوة ولاسيما التجويفات الكبيرة داخل الجبل، وقد نحتت الأضرحة المتعددة داخل هذه التجويفات الصخرية بشكل هندسي وأغلبها ذات مساحة واحدة.

المغاير كتب عليها من الداخل العديد من النقوش اللحيانية النبطية ، وتعد دليل واضح على أمم كثيرة تعاقبت على سكن الواحة إبان ازدهارها التجاري والزراعي قبل الميلاد بعدة قرون ، كما يوجد بها موقع لمدينة قديمة من الفترة الإسلامية المبكرة تعرف باسم “الملقطة” .
يجد المتتبع تاريخ “مغاير شعيب” مستمراً من خلال المنحوتات التي تعبر عن ملحمة تاريخية عظيمة ،وإن كانت المغاير تعد كهوفاً، إلاّ أنها كانت منحوتة داخل الجبال بطريقة هندسية رائعة، تَنمُّ عن حضارة قديمة، وداخل هذه البيوت غرف مفصلة تفصيلاً دقيقاً، كما شيدوا لها مقابر داخلها مُنفصلة عن البيوت، ورُسمت بعض النقوش والزخارف بطريقة هندسية دقيقة وعريقة، حيث تعاملوا مع الحجارة الصماء، وطوعوها كيفما شاءوا فكانت سكناً لأحيائهم وقبوراً لأمواتهم!.
و الأدلة الأثرية تؤكد أن المقابر من عمل الأنباط100ق.مـ.106م ، حيث شهدت الواحة في هذه الفترة ازدهارا اقتصاديا وحضاريا وكانت نقطة تجمع للطرق التجارية التي تربط البتراء عاصمة الأنباط بميناء “لوكى كومى” الشهير على ساحل البحر الأحمر، وبواحة الحجر في العلا.
وكما ورد فى المجلد الخامس من “ معجم البلدان “ يقع فى مدين البئر الذى سقى منه موسى عليه السلام لابنتى شعيب عليه السلام ، هذه البئر بنى عليها بيت لايزال اختلاف الآراء كبيراً في المنطقة حول حقيقة “عيون أو بئر موسى” و الموجودة على بُعد 20 كلم غرب “مغاير شُعيب” .

فى عيون الرحالة
هذه المنطقة جذبت اهتمام العديد من الرحالة والجغرافيين ، أبرزهم “ إدوارد روبل” وهو أول أوروبي زارها، وأشار إلى ذكرها في كتاب نشر عام 1829م، وكذلك الفلندي “جورج أوغست فالين” الملقب ب “عبدالولي” وهو أكثر المستشرقين شهرةً .
وزارها “الويس موسل” المكتشف والمستشرق النمساوي الشهير “مدين” ، ووصفها وصفاً دقيقاً ونشر عشر مخططات للمقابر، إضافةً إلى عدد من الرحالة منهم “بوركهارت”، و« تشارلز دواتي”، و«اوغست والن”، و«تشارلز هوبر”، و«يوليس اويتنج”، و«اليدي آن بلنت”، والفرنسيان “جوسين” و«سفنياك”، والألماني “موترز”، و«ألوس موزل” ، وغيرهم.
كما زارها الرحالة البريطاني “ريتشارد فرانسيس بيرتون” وذلك سنة 1853م، وأجرى زيارة أخرى في سنة 1877م، وذكر أن المدافن يطلق عليها اسم مغائر، وقسمها إلى أربع مجموعات، أولها الواقعة في الجهة الشمالية، ومدافن الملوك، ثم المجموعة الجنوبية، والكهوف المدعمة، وأطلق عليها “مدينة الأموات” أما ما يقابلها فسماها “مدينة الأحياء”.
وزارها الرحالة المستشرق الانجليزي “هاري سنت جون فيلبي”، الذي عُرف فيما بعد ب«الحاج عبدالله فيلبي” زيارتين، أحدهما عام 1953م، ، ويُعد من أدق وأفضل من وصفها وصفاً دقيقاً، حيث قال:« إضافة إلى عظمتها فإن المرء يجد لها طابعاً مميزاً، وهي الصخور التي حفر فيها معظم هذه الآثار وأحسن ما يمكن أن توصف به قولنا إنها صخور رملية متآكلة تحوي على مواد جيرية صلدة وثابتة اللون، وإنه ليبدو مذهلاً أن هذه الصخور على الرغم من تقلب عوامل الجو، كالرياح، والمطر، والشمس، عليها آلاف السنين، فقد قاومتها وجعلتها عاجزة عن محو فن المعمار النبطي المتعلق بالحياة محواً تاماً” و المقابر صنفها إلى أربع مجموعات، جعل الضريح الكبير منها يحتل المركز الأول، فيما يضم هذا الضريح عدة فتحات، أما المجموعة الثانية تقع في ناحية أخرى من هذه المرتفعات، وتشتمل على سبعة أضرحة مختلفة الارتفاعات، ولها واجهات في حالة متفاوتة من الخراب، وإلى جانب السقوف ومداخلها مجموعات من أكوام الأنقاض والأتربة، وعدد من القبور عددها ما بين واحد وتسعة في كل ضريح.
أما بالنسبة للمجموعة الثالثة فيذكر «فيلبي» أنها أحسن من سابقتها، وتتميز أضرحتها بوجود نتواءات لزخارف مدرجة في ثلاثة منها، وأثر ظاهر لتاج عمود كورنثي الطراز في الضريح الرابع، وتاج عمود من طراز نقوش البتراء في الضريح الخامس، إضافة إلى عدد من القبور والنقوش الجنائزية على الحائط الداخلي لكل منها .
و المجموعة الرابعة والأخيرة فتتألف من ثلاثة أضرحة، أحدها قد فقدت واجهته الخارجية وتبلغ مساحته 11 قدماً مربعاً، وهذه المجموعة تضم خمس مدافن في كل جدار بعمق ستة أقدام، وعرض خمسة أقدام، وارتفاع خمسة أقدام، في حين يظهر على باب الضريح الأساسي ضمن هذه المجموعة نقوش متداخلة على شكل أقواس.
فيما يبلغ عمق هذا الضيح من الداخل 15 قدماً، وعرض 12 قدماً، وعلو سقفه عن أرضه يبلغ سبعة أقدام، كما توجد به نافذة تقود إلى غرفة صغيرة عرضها تسعة أقدام، بارتفاع 5.5 قدم، وتحتوي على عدد من القبور المصفوفة على طول الجدار الخلفي للضريح، ما عدا زوجين منها عند المدخل يصل طول الواحد منها إلى سبعة أقدام، وعرض 2.5 قدم، إضافة إلى وجود قبرين آخرين في جهة المدخل الرئيسي، وثلاثة أخرى أيضاً مقابل الحائط الخلفي.
وذكر “فيلبي” أنه يوجد ما لا يقل عن ثمانين قبراً منتشرة في حوالي عشرين ضريحاً من النوع النبطي في منطقة مدين ، مبيناً أن الأضرحة كانت مقصورة على الأسرة الحاكمة والنُبلاء والوجهاء من كبار حكم الأنباط، إلاّ أن هذا العدد لا يوحي بكثرة في عدد سكان الأنباط، أو في المقابل طول مُدة حكمهم في “مدين”.
وأشار فليبي إلى أن هذه القبور كلها قد نبشها اللصوص بحثاً عن الأشياء الثمينة، وكان بعضها مملوءاً عن آخره بالعظام، بينما كان من الواضح أيضاً أن البعض الآخر قد تم تنظيفه لاستخدامه من قبل الإنسان أو للأغنام.
ورجّح فيلبي أن القسم الشمالي من منطقة الآثار قد كان مستوطنة للفقراء وربما الحرفيين والعمال من أنحاء المنطقة، أما القسم الجنوبي الممتد بالتوازي مع واحة مليحة في قاع الوادي فيتمتع بمظهر متميز وفخم، ولا شك أنه كان مركزاً لطبقات المُترفين والحكام، ويُحتمل أن يكون القسم الأوسط هو المقر التجاري والسوق المتمركز على الخزان المائي، إلاّ أن ما يدهش «فيلبي» في مثل هذه الظروف أن الريح والمطر والشمس على مدى ألفي عام لم تمح تماماً هذه الهندسة المعمارية الجنائزية للأنباط في هذا المكان.

تاريخ النشر الخميس 17 أيار (مايو) 2018

النسخة المصورة

إعلان

مراسم افتتاح السفارة الأمريكية الجديدة في القدس

بدأت مراسم افتتاح السفارة الأمريكية الجديدة في القدس، اليوم الإثنين، وذلك عقب قرار ترامب في السادس من كانون 

مواقيت الصلاة في الجزائر لنهار اليوم الفجر 

مواقيت الصلاة في الجزائر لنهار اليوم الفجر 03:52 الظهر 12:44 16:34 العصر المغرب 19:50 21:20 

نهاية وهم حل الدولتين

يرى أستاذ الفلسفة الفلسطيني البارز سَري نُسيبة أن مآل المفاوضات الفلسطينة الإسرائيلية حول حل الدولتين هو 

ولاية تبسة...من جمال بلادي

تبسة هي الولاية رقم 12 بالنسبة للتقسيم الإداري قبل الأخير في الجزائر تقع في شرق الجزائر وهي منطقة حدودية مع 

السفارة الفرنسية تكشف المؤسسة الجديدة المكلفة 

قررت القنصلية الفرنسية العامة بالجزائر الإعلان عن مقدم الخدمات الخاصة بالفيزا الفرنسية التي ستعوض مؤسسة تي أل 

كتاب الأسبوع

إقرأ وحمل مجانا

الكاريكاتير

Monaffairedz

ألبوم الصور

إستطلاع

مواقيت الصلاة

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حالة الطقس