حنا مينه.. أديب البحر والفرح والكفاح

حنا مينه.. أديب البحر والفرح والكفاح

الروائي السوري حنا مينه (1924) كتب أول رواياته "المصابيح الزرق" وهو في عمر الأربعين، يقول "لم أعش يوما كي أكتب، حين تصبح الأمور مجرد ذكريات يمكن أن أعود إليها"، فهو أبدا لم يدخل علاقة أو يذهب إلى مكان من أجل استجداء الكتابة.
كان حنا مينه قد اشتغل حمّالاً في ميناء اللاذقية، وبحاراً زار بلدانا كثيرة، أقام أربع سنوات في الصين خلال عمله
في البحر، وهناك حدثت معه قصة طريفة، لأنه معروف بالنسيان، سجل ابنته وأخطأ اسم زوجته، وفي سوريا اضطر لاستخراج وثائق لهذه الطفلة فوصل به الأمر إلى القضاء ليصحح الخطأ، يقول أنه وقف أمام القاضي وابتسم مرددا: نحن ننسى أسماء زوجاتنا.. انفجر القاضي بالضحك لأنه فهم مغزى كلامه، لأن حنا عاشق للحياة والنساء، ولم يتنازل عن هذه العبارة حتى وهو في آخر سنوات عمره، إعترف أنه كان محبوبا كثيرا لكنه لم يحب، يقول "إذا أدارت امرأة وجهها فاتركها تمضي لا تلتفت مجددا".
يقول حنا أنه ولد بالخطأ، وكتب بالخطأ، وُلد بعد أن رفعت والدته نذرا إلى الله من أجل أن ترزق بولد بعد أن كانت لديها عدة بنات، يعتبر أنه بالخطأ فقط جاء إلى الدنيا، ولذلك ظلّ يدفع فاتورة ذلك الخطأ، لأنه عاش فقيرا هائما بين البلدان يستل رغيفه من جوف الحجر. تعلم الكتابة في الشارع، كان يحرر شكاوى المواطنين في شكل رسائل موجهة إلى المسؤولين، هو الذي يعتبر أن مسيرته ووجوده مبني على النضال، نضال من أجل تأميم الرغيف، من أجل الغلابى الذين لا يستطيعون مراسلة ومخاطبة الحكومة، نضال من أجل هذه الأفواه الصامتة، لقد تعلم كتابة الشكاوى وهذا ما انعكس فيما بعد على كتاباته، لأنه بقي وفيا لهؤلاء البسطاء، يكتب عنهم وعن حياتهم البسيطة في أزقة اللاذقية القديمة وعلى ميناء البحر، حيث توجد خمارة يرتادها البحارة مساءا، تفوح من جثثهم رائحة السردين.
يقول حنا مجيبا عن سؤال حول توظيف الجنس في رواياته، أن الجنس يأتي في سياق الرواية، وطرح عليه نفس السؤال في الشارع عدة مرات، لماذا تشوه نساء اللاذقية؟، فقال أنه يكتب عن ميناء فيه خمارة وامرأة، والبحارة يعودون بمراكبهم إلى الميناء ويجدون خمارة وامرأة، بالأحرى سألهم بدوره "هل وجدتم أني كتبت عن دير في ميناء يرتاده البحارة ويضاجعون فيه النساء؟".
يعترف الكاتب، أن رواية "الشراع والعاصفة" هي التي كرسته روائيا ذا مقروئية واسعة وكتب بعدها رواية "الياطر" التي قال أنها رسوله للبحر، غير أن إحدى الصحفيات سألته ذات يوم عن العمل الذي قدمه لكنه لم يرضى عنه؟ أجابها بحزم "أنا لم أرضى عن كل كتاباتي"، بقيت الصحفية مندهشة... لكنه أردف "لو أني أرضى عما كتبته أكون انتهيت"، هنا تتجلى عظمة هذا الإنسان. وفي رواية "نهاية رجل شجاع"، تتجلى عالمية هذا الكاتب، يبني شخصية روائية ليس من السهل أبدا أن تنساها، وهو المعروف أن كتبه لعنة، ما إن تقرأ أول جملة حتى تجد نفسك في قاع البئر، لجمالية اللغة والسرد الذي يشوقك منذ الوهلة الأولى لمعرفة حياة شخوصه.
لم تتأخر السينما السورية عن احتضان أعماله، أخرج نجدت أنزور عدة مسلسلات وأفلام مقتبسة منها، حيث شارك في بطولتها ابنه سعد الذي عرفه المشاهد الجزائري في مسلسل الجوارح والكواسر بدور شاهين، آخر عمل أُنتج العام الماضي مقتبس من أولى رواياته "المصابيح الزرق" التي تدور أحداثها في أحد أحياء اللاذقية بين مجموعة من السكان البسطاء يلتقون كل مساء على طاولة في الباحة التي تتوسط بيوتهم، يفتتون خبز يومهم هناك، هذا يساري وهذا شيوعي وهذا فلاح وهذا بحار وهذه ربة بيت وتلك عاشقة تنتظر عودة حبيبها المجند في الحرب العالمية الثانية وتتلصص على والده أبو فارس الذي يرفع مواويل كل مساء إلى ولده الذي يخوض الحرب وعندما تتعلق بهذا الجو الرائع يتشتت الجميع بين سجين وميت وتجن في الأخير العاشقة حين يصلها خبر موت فارس.. كل هذا يسحبك نحوه سواءا بأسلوب حنا الشيق الذي خلق لغة خاصة به أو بلغة نجدت أنزور الذي خلق مدرسة خاصة به في الإخراج.
انعكست تجربة حياته على أسلوبه وزادته ضراوة، فدون تجربة إنسانية يصبح الأسلوب سطحيا، لا يمكن أن تتسلل إلى أعماق شخصياتك دون أن تكون قد عرفت آلاف الوجوه كما يصف حنا.
ويروي حنا، أن الأميرة موزة عرضت عليه النزول في قصرها المقابل للبيت الذي كان يجلس في باحته أثناء زيارته للكويت وحين شاهد الذهب والأموال والأفرشة الوثيرة نظر إلى الأرض وقال لها "أنا أمكث هنا حيث سأرجع يوما ما". وربطت حنا علاقة مميزة بالعديد من الرؤساء وخاصة بشار ووالده لكنه لم يتأثر بذلك ولم يسعى إلى ذلك، وهذا ماذكرني بغارسيا ماركيز الذي كان يطلبه كاسترو من حين لآخر كي يجلس إليه ومرة كان لديه موعد ليتصل بالرئيس الكولومبي على العاشرة صباحا غير أنه استفاق من النوم وحمل مباشرة السماعة معتقدا أنه نام حتى منتصف النهار وكلم الرئيس الذي استغرب من مكالمته على الثالثة صباحا وبرر له ماركيز ذلك أنه اعتقد أن الوقت منتصف النهار، لم يعاتبه الرئيس على هذا الاتصال بل أخبره أنه كان يقرأ الشعر وهذا هو الوقت الوحيد الذي يجده ليقرأ فيه.. هذه العلاقات لم يستغلها هؤلاء الكتاب الكبار ليضعوا هيمنتهم على المشهد الثقافي في بلدانهم بل أبقوها في خانة الحياة الخاصة ولم يكشفوا عنها إلا في مذكراتهم فيما بعد عكس ما يجري الآن.. وهذا ما يميز الكتّاب الحقيقيين عن سواهم من الدخلاء الذين يجعلون من الكلمة درجة فقط لبلوغ أهدافهم المادية، ومعروف كيف كان الشعراء في الجزائر يسيطرون على المناصب والجمعيات في عقود سابقة ولعل ما يحدث الآن لاتحاد الكتّاب لخير دليل على هذا العفن الذي تعيشه الثقافة في البلد.
حصل حنا على عدة جوائر وكُرم على أصعدة واسعة ونال لقب "أديب البحر" والذي يفتخر به كثيرا وهذا حقيقي لأنه نقش اسمه على ماء البحر، وكتبه لا تقل أهمية عن "الشيخ والبحر" التي كتبها همنغواي بل إن بعض النقاد يعتبرونه الأهم على الإطلاق. هناك ثقوب في النصوص الأدبية الحقيقية تجعل القارئ يتسرب إلى مبدع تلك النصوص ليحبه ويتأثر بحياته، أستغرب كيف للقارئ الجزائري أن يتجه نحو قراءة الأدب الروسي المترجم إلى العربية بشكل واسع ولا ينتبه لمثل هذه الحالة الفريدة في الأدب المكتوب بالعربية.
أسس حنا "اتحاد الكتّاب السوريين" رفقة العديد من الكتّاب والشعراء السوريين، وظلّ وفيا لطباع الرجال الزغرتية كما يصفها بتعبيره الشامي، ولعل دموعه المتكررة تكرر ذكرى صديقه محمد الماغوط الذي لا يقل أهمية، حيث تجمعهما علاقة فريدة لا نجدها عند مثقفينا، فيحكي حنا أنه يزور دائما الماغوط الذي كان منعزلا في آخر أيامه، يأخذ كتابا في يد وزجاجة ويسكي في اليد الأخرى، يضع محمد الماغوط الكتاب ويخطف الويسكي، هذه المعاملات الفريدة هي ما انطبع في رأسي منذ اقتربت من حياته، والتي أوصى ذات يوم بها زوجته وهو مسافر على سفينة من الصين إلى انجلترا قائلا "الرحلة خطيرة ويمكن أن لا أرجع، قولي لأولادي أنه كان كريما طيبا زغرتا". والآن في غياب هذه الطباع لدى الفئة المثقفة التي مسها ما مس الشعب من سياسة الرعي نضع كلماتنا أمامكم ونستغفر الأدب لنا ولكم.
أما السر الذي جعل ابنته تنفي وفاته فيعود إلى وصيته الأخيرة التي كتبها سنة 2008 والتي تعبر كثيرا عن نوع الرجل الذي كان عليه حنا في حياته، وهي كالتالي "عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي في أية وسيلةٍ إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطاً في مماتي، وليس لي أهلٌ، لأن أهلي، جميعاً، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا علي عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية (..) أعتذر للجميع، أقرباء، أصدقاء، رفاق، قُرّاء، إذا طلبت منهم أن يدعوا نعشي، محمولاً من بيتي إلى عربة الموت، على أكتاف أربعة أشخاصٍ مأجورين من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب علي، في أي قبر مُتاح، ينفض الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، فقد انتهى الحفل، وأغلقت الدائرة. لا حزنٌ، لا بكاءٌ، لا لباسٌ أسود، لا للتعزيات، بأي شكلٍ، ومن أي نوع، في البيت أو خارجه، ثمّ، وهذا هو الأهم، وأشدد: لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذه التأبين، وكما جرت العادات، منكرة، منفّرة، مسيئة إلي، استغيث بكم جميعاً، أن تريحوا عظامي منها".

إعداد: جلال حيدر

تاريخ النشر الأربعاء 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2018

النسخة المصورة

إعلان

أزمة دبلوماسية خانقة.. واشنطن عاقبت وزيرين تركيين 

أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أن أنقرة سترد على العقوبات الأمريكية. وكتب أغلو، على موقع 

جيهان هريدي تكشف أنها صممت عباءات عربية بروح 

كشفت مصممة الأزياء جيهان هريدي عن تصميمها لمجموعة جديدة من العباءات العربية، والتي تنوعت في تصميمها بين 

يسرا تُظهر حقيقة تقديمها مسرحية جديدة مع مجدي 

كشفت الفنانة يسرا، حقيقة ما يشاع عن تقديمها مسرحية مع المخرج مجدي الهواري، قائلة "إن كل ما يقال في هذا الشأن 

ميركل: ملف الهجرة قد يحدد مصير الاتحاد الأوروبي

حذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من أن مستقبل أوروبا بات على المحك بسبب قضية الهجرة، وطالبت حلفاءها 

كتاب الأسبوع

إقرأ وحمل مجانا

الكاريكاتير

Monaffairedz

ألبوم الصور

إستطلاع

مواقيت الصلاة

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حالة الطقس