بـــين ذاكـرة الجســد وذاكـرة الــروح

بـــين ذاكـرة الجســد وذاكـرة الــروح

يقول پول أوستر “بعض الذكريات غريبة عنك جدًا، بعيدة الاحتمال، خارجة عن نطاق المعقول، إلى حدّ تجد أنه من الصعب عليكَ أن تصالح بينها وبين حقيقة كونك الشخص الذي عاشها”.
يتعامل پول أوستر منذ أن بدأ حياته الأدبيّة روائيا، وبعد قطيعته مع تجربته الشّعريّة (حيث بدأ الراوي شاعرا) بفنيّة عالية ودقة في ثيماته المتكررة: كالصّدفة والقدر والنجاح والفشل والفقر والعزلة والضياع والهويّة والعدميّة وغيرها، وقد تحوّلت هذه الثيمات إلى البؤرة المركزيّة التي حدّدت وجهة كتاباته الحميميّة عبر يوميّاته متعددة الوجوه.أصدر پول أوستر إلى الآن أربعة مؤلّفات تروي أجزاء من حياته على شكل مذكّرات ويوميّات وكتابات مقطعيّة، هي “اختراع العزلة” عام 1982، وهي أوّل كتاب نثريّ يفتتح به أوستر سيرته الروائيّة (بعد رحلته الشعريّة)، ومؤلّفه “من اليد إلى الفم” عام 1997، و«يوميّات الشتاء” عام 2012، و«تقرير من الدّاخل عام 2013. وعلى طول هذه المؤلفات الأربعة، ننفتح على تفاصيل حميميّة من حياته الشخصيّة كان پول قد وزّعها وضمّنها في رواياته، لكنّه حرص على أن يباعد بين شخصه ككاتب وبين بطل هذه الكتب، ليخلق أجواء من الغربة والانتفاء بينه وبين البطل وبيننا وبينه ككاتب في نهاية المطاف. وفي كلّ من هذه المؤّلفات يسرد الكاتب ذاكرات مختلفة: ذاكرة الحيرة، ثمّ ذاكرة البلوغ والتيه، ثمّ ذاكرة الجسد، وأخيرا ذاكرة الرّوح.أوستر روائيّ فنّان في تأصيل العزلة وفي رسم معالم القلق الشعوريّ والوجوديّ للإنسان، ويعرف كيف يتناول ثيمات الفراغ والعبث والعدم الوجوديّ ولا يتركُ تفصيلاً إلا وأصبغه بمفاهيمه الفلسفيّة حيال الإنسان والوجود.ولم يختر في مؤلفيه الأخيرين طريقة السرد السير ذاتي التقليديّة ليروي تفاصيله الخاصّة. ففي كتابه “يوميّات الشتاء” يحافظ پول أوستر كعادته على رشاقته في السّرد ويروي الأحداث بضمير المخاطب. هو- ابن الخامسة والستين- يخاطب الكائن الآخر –الأنا البعيد- المنتفي عنه، الكائن الذي يبتعد عنه أميالاً من المشاعر والسنوات. يروي لنا أكثر الأسرار حميميّةً من سنوات متفرّقة يتقدّم ويعود فيها ويقف ويختصر ويُسهب بالطّريقة التي يجدها مناسبة لهذه اليوميّات. ننجح إلى حدّ ما في التواصل مع هذه التفاصيل لكننا نفشل كثيرًا في فهم هذا الشعور بالنفور والبُعد والاغتراب الذي يخلقه هذا السّرد. هناك تفاصيل دافئة حميميّة وسرد منتفٍ وتغريبيّ منسلخ عن الحميميّة بارد تمامًا كالشتاء الّذي يصف فيه الكثير من الوحدة والانفصال عن القارىء رغم اعترافاته، كما يحاول أن يفهم علاقته مع ماضيه بمعايير عقلانيّة مختارًا اليوميّات قالبًا لهذه العقلانيّة الوجوديّة.من جهة أخرى، تلمّس العلاقة مع الجسد في أطوار عمره المختلفة؛ ارتحالاته في سنوات معيّنه وسكنه في باريس وبروكلين وانهيار زواجه الأوّل؛ وقوعه في حبّ إحدى فتيات الهوى، كفاحه في الطريق إلى مهنة الشّاعر، ثمّ تحوّله عن عالم الشاعر إلى عالم الرواية؛ عودته لرواية مشهد وفاة والده الذي افتتح به سيرته الروائيّة “اختراع العزلة”، ورثاؤه هذه المرّة لوالدته التي توفّيت عام 2002. ففي هذا الكتاب ننفتح على ذاكرة الجسد، ذاكرة وصفيّة ينسلخ عنها الشّعور بالحميميّة ويندمج معها في نفس الوقت، لتدخل في ديالكتيك الجسد ومفاهيمه الحسيّة. كلّ الأحداث المقطعيّة والشذريّة والقصيرة وكلّ ما عبق بذاكرة الراوي يعود لينغلق بدائريّة على هذا الجسد- المادّة.«قبل اثنين وثلاثين عامًا، أي تماما قبل نصف عمرك، كان خبر وفاة والدك في الليلة السابقة، ليلة أخرى من ليال يناير المثلجة، تماما كهذه الليلة، الريح باردة، الجو عاصف، كل شيء شبيه، الوقتُ يتحرك ورغم ذلك لا يتحرك، كل شيء مختلف ورغم ذلك كل شيء شبيه، لم يكن لديه الحظ ليصل إلى الرابعة والسبعين. ستة وستون عامًا، ولأنك كنت دائمًا على يقين أنه سيبلغ الشيخوخة ويعتريه الشيب، لم تكن هناك ضرورة ملحّة لتبديد الضباب الذي ساد بينكما، لهذا عندما استوعبت أخيرا حقيقة موته الفجائي غير المتوقع، ظل لديك شعور بأن المسألة غير منتهية، اليأس الفارغ للكلمات التي لم تقل، للفرص التي تبددت إلى الأبد”. بهذه الكلمات يصف الكاتب علاقته بوالده الذي مات فجأة وهو في حضن صديقته، وصفٌ فيه طبقتان من الإغراب: المسافة التي تبعد الحيّ عن الميّت ولا يرتبط به إلا عبر ذاكرة ذكورية غليظة الطابع وهشّة وقديمة وباردة، ووصف آليّ يخلو من أيّ انفعالات- خبر وفاة الوالد الذي برز غيابه على حضوره في حياة أوستر الشاب- والعقلانيّة في الوصف والابتعاد عن جسد الأب يؤكّدان إصرار أوستر على هذا الانسلاخ دون مصالحة. تحضر ذاكرة الجسد التكميليّة مع وصفه لوفاة أمّه عام 2002، ووقع خبر وفاتها عليه، حتى هنا تنكشف علاقة ذاكرة الجسد الميّت مقابل الجسد الحيّ. سرد قصير وسريع يخلو من أي حميميّة إلا من كلمات قليلة موزّعة هنا وهناك، فكتب “شيء ما ليس على ما يرام، رغم أنك لست على استعداد للاعتراف بذلك، لأن في هذا العام 2002 قد حصلت أشياء كثيرة، كان عام المفاجآت الصعبة، والأسوأ من ذلك وفاة والدتك في أواسط ماي بسكتة قلبية، الذي هزك، لا لأنك لم تكن تعرف أن أشخاصًا في السابعة والسبعين من العمر قد يموتون ويرحلون بلا إنذار، ولكن لأنها كانت تبدو في صحتها وكانت متيقظة ومرحة، موت والدتك كان الأمر الأسوأ من بينها. تظهر ذاكرة الجسد بشكل آخر في علاقته الآن مع جسده الحيّ البعيد وهو في سنّ الطفولة وسن الصبا وسن البلوغ. وفي كل مرحلة من هذه المراحل يستحضر الكاتب شكلاً مختلفًا من أشكال الذاكرة المنفعلة من هذا الجسد والمتفاعلة معه في ذات الآن.لقد أراد أوستر أن يصوّر مشاهد لا يضع فيها روحه، بقدر ما يحضر فيها جسده أو علاقته مع الأجساد الأخرى حيّة وميّتة، وهنا تصير العين تدوينًا خارجيًا للحدث فحسب. لكن كلّما تعلّق الأمر بعلاقة جسده هو مع الأشياء بات أكثر هدوءًا وحميميّة، فكتب “لذائذ، لذّة الطعام والشراب، والتمدد عاريًا في حمام ساخن، والهرش بدلاً من الحك، والعطس، والبقاء في السرير ساعة إضافيّة، ومواجهة أشعة الشمس بعد ظهيرة نهار معتدل في أواخر الربيع أو أوائل الصيف والشعور بالدفء يهبط على بشرتك. أمثلة لا حصر لها، ولا يمر يوم واحد من دون لحظة أو لحظات من اللذة الجسديّة، ومع ذلك يبقى الألم أكثر استمراريةً وإصرارًا”. لكن أوستر لا يكتفي بهذا الجزء من السيرة، إذ يدخل في مؤلفه تقرير من الداخل الصادر حديثًا (2013)، زاوية أخرى، كما يبدو، من تدوين الذاكرة ويصل بهذا الكتاب إلى عمق الرّوح، إلى عمق انفعالاته وتجاربه النّفسيّة في سنين مختلفة بدءا من الطّفولة. حتّى هنا نشهد كتابة مقطعيّة شذريّة ترتكز هذه المرّة على رؤية العالَم من الداخل، على الذاكرة الانفعاليّة والنّفسية بدلاً من الماديّة. يصف أوستر مشاهد مؤثّرة يبدو أثرها في نفسه جليًا للقارىء، فبضمير المخاطب مرّة أخرى يتنقّل أوستر بعين الطّفل ابن السادسة المتحسس لما حوله، الطّفل الهاوي للأفلام والانبهار بهذا العالَم، الخيبة من العالَم، ثقل هويّته اليهوديّة (التي يكتشف من خلالها أنه حتّى في أكثر الأمكنة حميميّة- في بيته- لم يشعر حقًا أنّه في البيت)، أولى تجاربه مع الشّعر وهو في التاسعة من العمر. ثم ينفصل عن هذه المرحلة من الطفولة في سنّ الثانية عشرة ليدخل في عمق البحث عن أثر الصّورة، وأثر فيلمين على حياته في سنوات المراهقة.

تاريخ النشر السبت 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2018

النسخة المصورة

إعلان

واشنطن بوست تفجر مفاجأة: لهذا السبب اغتال ابن سلمان 

كشفت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية عن مجموعة من الحقائق الجديدة ، مزيد من التفاصيل ـــــــــــــــــــــــــــــــ

لماذا سميت السينما بـ"الفن السابع"؟

على الرغم من ذيوع اسم "الفن السابع" وإطلاقه وصفاً على فن السينما،مزيد من التفاصيل ـــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد منير يطرح "طاق طاقية" أول أغانى ألبومه الجديد 

طرح الكينج محمد منير، عبر قناته على يوتيوب، أغنية "طاق طاقية" .مزيد من التفاصيل ــــــــــــــــــــــــــــ 

" المتظاهرون يواصلون قطع الطرق وإشعال النيران فى 

على الرغم من تراجع الحكومة الفرنسية عن قرارها بفرض ضرائب على الوقود،مزيد من التفاصيل 

كتاب الأسبوع

إقرأ وحمل مجانا

الكاريكاتير

Monaffairedz

ألبوم الصور

إستطلاع

مواقيت الصلاة

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حالة الطقس